السمرقندي
376
تحفة الفقهاء
وأما إذا جعل أرضه أو داره وقفا على الفقراء ، أو على وجوه الخير فعند أبي حنيفة : إن جعله وقفا في حال حياته ، ولم يقل وصية بعد وفاته ، فإنه يكون هذا الوقف صحيحا ، في حق التصديق بالغلة وبالسكنى في الدار إلى وقت وفاته ، ويكون نذرا بالتصدق بذلك ، وتكون رقبة الأرض على ملكه : يجوز له بيعه والتصرفات فيه . وإذا مات يصير ميراثا للورثة وهذا معنى قول بعض المشايخ : إن الوقف لا يجوز عند أبي حنيفة : أن الوقف لا حكم له عنده ، بل يكون نذرا بالتصدق بغلته ومنافعه . وأما إذا وقف في حال حياته وأوصى بذلك بعد وفاته فإنه يجوز بلا خلاف ، لكن ينظر : إن خرج من الثلث : يجوز في الكل ، وإن لم يخرج من الثلث : يجوز الوقف فيه بقدر الثلث ، ويبقى الباقي إلى أن يظهر له مال آخر ، أو يجيزه الورثة . فإن لم يظهر له مال ، ولم يجز الورثة ، تقسم الغلة بينهم أثلاثا : الثلث للوقف والثلثان بين الورثة على قدر أنصبائهم . وإن أجازه الورثة يصير جائزا ، ويتأبد الوقف بحيث لا يبطل بعد ذلك . ولو رفع الامر إلى القاضي ، فأمضى القاضي الوقف ، بناء على دعوى صحيحة ، وشهادة قائمة على ذلك ، وأنكر الواقف ذلك صح . ولو شهد الشهود على الوقف ، من غير دعوى قالوا : إن القاضي يقبل ، لان الوقف حكمه التصدق بالغلة ، وهو حق الله تعالى ، وفي حقوق الله تعالى لا يشترط الدعوى . وهذا إذا كان من رأي القاضي أن الوقف صحيح ، لازم ، لا يجوز نقضه بحال ، كما قال أبو يوسف ومحمد ، حتى يكون قضاء في فصل مجتهد فيه ، فينفذ قضاؤه ، ولا يمكن نقضه بعد ذلك ، ولا يجوز بيعه ، ولا يورث بالاتفاق ، لان قضاء القاضي في فصل مجتهد فيه على أحد